في سوريا.. نحن بحاجة الى صفقة مع الشيطان

New York Times article (Here)

بعد عام تقريباً عن بدأ الاحتجاجات المناهضة للحكومة في سوريا, فإن كارثة ذات أبعاد أخلاقية و استراتيجية ضخمة تقترب بسرعة. فهناك حرب أهلية واسعة النطاق محتملة الحدوث. وحرب متعددة الجبهات, تقليدية وممكن غير تقليدية بسبب الأحداث في بلاد الشام واردة أيضاً على نحو كبير.

مع هذا, العديدين في الغرب, في معظم البلاد العربية و حتى في المعارضة السورية لا زالوا يعتقدون بأن "التنحي المنظّم" للرئيس بشار الأسد ممكن.

وفقاً لوجهة النظر تلك, فإن الضغوط المتزايدة من كل مكان, في مرحلة من المراحل, ستكسر الحكومة ومؤيديها في الداخل و الخارج. وأي موت و دمار ناتج عن ذلك بالاضافة لرد فعل سلبي أقليمي, سيكون ضمن الحدود المقبولة.

ولكن مع الأسف, هناك على الأقل ثلاث مشاكل قد تجعل من "التنحي المنظّم" غير وارد:

أولاً, حكومة الأسد, التي لا تزال تتمتع بدعم كبير من الجيش , النخبة و فئات أخرى من الشعب, قد تكون قادرة على إطالة أمد عملياتها الدموية, بمساعدة أطراف خارجية. روسيا, التي ترى سوريا على أنها أصل استراتيجي لا غنى عنه, أنضمت الى الصين يوم السبت في 04/02/2012 في الاعتراض على قرار أممي ضد حكومة الأسد.

وراهنت ايران بمصالحها الحيوية على نظام الرئيس بشار الأسد, الذي يعتبر قناة حاسمة لدعم طهران لجماعة حزب الله الشيعية المسلحة المسلمة في صراعهم المشترك ضد اسرائيل.

ثانياً, العنف الناجم عن أي انهيار طويل الأمد, على الأرجح أن يتعدى الحدود المقبولة أخلاقيا و استراتيجياً للغرب و حلفائهم - ناهيك عن الشعب السوري. وستتسارع الصراعات الطائفية التي ستقسم العلويين و الأقليات عن الغالبية الشعبية السنية, مما يضاعف التوتر في الجارة لبنان, حيث يشن المقاتلون السنة حالياً هجمات على سوريا, وكذلك في العراق, حيث ازداد العنف الطائفي بشدة في الاونة الأخيرة.

ثالثاً, الحركة الناتجة للاجئين ستضيف عنصراً اخراً من زعزعة الاستقرار للأزمة الانسانية. فبعد كل هذا , استضافت سوريا ملايين اللاجئين العراقيين و الفلسطينيين الذين من المحتمل أن يشهدو المزيد من المعاناة و الخسائر.

بعيداً عن التنحي المنظّم, فإن سيناريو أكثر احتمالاً سيكون بمثابة جهد دموي أخير للرئيس الأسد, ايران و حزب الله لانقاذ الحكومة السورية, والذي يملكون الوسائل للقيام به.

  على الأرجح أن تقوم قوى "محور المقاومة" تلك باظهار قواها العسكرية الهائلة - التي تشمل الأسلحة الكيماوية في حالة سوريا - ضد أعدائها في صراع من أجل وجودهم الجماعي. وبشكل ملائم لثلاثهم, فإن هناك طرق متعددة يمكن أن تجر اسرائيل الى صراع كبير دون أن يظهر الرئيس الأسد أو حزب الله كمسؤولين عنه, في نظر مؤيديهم. بالفعل, فإن هجوماً بصاروخ واحداً من جنوب لبنان الذي قد يقتل عدداً كبيراً من المواطنين الاسرائيليين, يشكل احتمالاً قوياً.

 لمواجهة هذا الوضع بمسؤولية, فإنه على الولايات المتحدة و حلفائها أن يكونوا على استعداد للتخطيط و التطبيق السريع لضربة عسكرية وقائية واسعة النطاق. وفي أفضل الحالات, فإن هذا قد يعني السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي اللبنانية و السورية عن طريق القوى البرية.

رغم ذلك, فإن التخطيط و العمل الوقائي الكافي يبدو مستحيلاً بحكم القيود السياسية و الاقتصادية التي تواجه الدول الغربية في الوقت الراهن, ناهيك عن تداعيات حرب كبرى في الشرق الأوسط على المصالح الغربية.

ومع هذا, فإنه من غير الكافي القاء اللوم على الفيتو الروسي و الصيني في مجلس الأمن أو حتى النظام الأسدي القاتل على الخطر اللذي يواجه المنطقة حالياً - حتى ولو كانوا يستحقون جزء كبير من اللوم.

عوضاً عن هذا, فإن على واشنطن تبني استراتيجية واقعية, حتى لو كانت كريهة, تسعى لنزع فتيل الصراع بهدوء بدلاً من مشاهدته ينفجر في وجه الجميع. وهذا يعني التعامل مع الأسد.

الرئيس الأسد هو قائد خطير ويقمع بوحشية, وهو مسؤول عن معظم حالات الموت و الخراب التي أصابت سوريا في الأشهر الأخيرة, ولكن عواقب دفع ايران, سوريا و حزب الله ماوراء خطوطهم الحمراء, من المرجح أن تكون أسوء بكثير.

مع ذلك, يتعين على الولايات المتحدة الاستغناء عن الحكمة المتضاربة  بأن المساومة محظّرة أخلاقياً مع قائد يعتبر قد تعدى الحدود - خاصة حين تخفف المساومة التداعيات المستقبلية, في حين في نهاية المطاف تضمن المصالح و القييم الفردية.

السبب الرئيسي لابرام صفقة مع الرئيس الأسد في الوقت الراهن, هو على وجه التحديد لأن عملية يقودها الغرب والتي تقوض قدراته ورغباته في اللجوء للعنف بشكل مطرد, قد تحقق الاستقرار للوضع الأقليمي المتدهور, وتفتح تدريجياً النظام السياسي في سوريا وتحد من القمع مع الوقت.

نشكر الله أن الولايات المتحدة وحلفائها أقوى بكثير من سوريا, مما يعني أنها تمتلك الأدوات و المرونة لرؤية مثل هذه الاستراتيجية (تقديم تنازلات وقائية) من خلال خاتمة ناجحة.

الائتلاف الواسع الذي يواجه الرئيس بشار الأسد حالياً, عليه أولاً أن يضع علنياً صفقة كبرى للتراجع عن مطالبته بالتنحي الفوري.

بالمقابل, فإن بعثة من المراقبين العرب و القوات الأممييه الأقوياء و الكفؤ يجب أن تنتشر على امتداد البلد من أجل التحقق من انسحاب الاليات الثقيلة للجيش, و اطلاق سراح المعتقلين السياسيين. ويمكن للبعثة أن توفر تواجداً دائماً , ويمكن للمواطنين اللجوء اليهم لتسجيل الدعاوى حول أعمال العنف من قبل أي جهة كانت.

ينبغي بعد ذلك عقد مؤتمر للمصالحة الوطنية خارج سوريا, تحت رعاية الجامعة العربية و الامم المتحدة.. مما يمهد لكتابة دستور جديد للبلاد واجراء التعددية الحزبية, وانتخابات برلمانية لاحقاً في هذه السنة - كما اقترح الرئيس بشار الأسد مؤخراً- وانتخابات رئاسية في عام 2013. ينبغي على مؤتمر المصالحة أن يبدأ بتحقيقات بأعمال العنف التي حدثت العام الفائت.

ثلاثة حوافز قد تجعل من الصعب جداً على الرئيس بشار الأسد أن يرفض..

أولاً, على الولايات المتحدة الاميركية و حلفائها أن يدعوا الجيش السوري الحر والمسلحين الاخرين لايقاف عملياتهم.. هذا قد يتطلب العمل مع دول الجوار مثل تركيا و الاردن لخلق منطقة خالية من السلاح مشرف عليها دولياً بالنسبة للمقاتلين, عائلاتهم واخرين الذين يخشون الانتقام.

ثانياً, على الولايات المتحدة و الاتحاد الاوروبي أن يخففوا العقوبات على أساس التزام الحكومة بالصفقة و أن تقيم مؤتمر دولي للمتبرعين لدعم الاحتياجات المادية للشعب السوري.

أخيراً, ولعدم اعتبارها كمؤامرة غربية, فإن أي صفقة يجب أن تضمن جهداً جدياً تقوده الولايات المتحدة لسمسرة اعادة مرتفعات الجولان الى سوريا, التي سيطرت عليها اسرائيل منذ عام 1967.

على الرغم من أنه يبدو أنه هناك رغبة سياسية صغيرة لمثل هذا النهج في اسرائيل في الوقت الحالي - لا ترى الحكومة أن هناك حاجة لتقديم تنازلات لحكومة الرئيس الأسد, الضعيفة و المترنحة - فإن إنفاق رأس المال السياسي الأميركي على عملية أكثر جدية يبدو معقولاً.. وخلافاً للمفاوضات الاسرائيلية-الفلسطينية المتوقفة حالياً, فإن المحادثات مع سوريا ممكن أن تنجح .. التوصل لاتفاق سوري-اسرائيلي يمكن فعلاً أن يعزل محور ايران و حزب الله المتعنت في لحظة حتمية في المواجهة بشأن برنامج ايران النووي.

تلك المنفعة, بالاضافة لاحتمال تطبيع العلاقات بين اسرائيل و سوريا, قد تثبت جاذبية لأعضاء من المؤسسة الأمنية العسكرية الذين لطالما انتظروا اتفاقاً مع سوريا باعتبارها قابلة للتنفيذ سياسياً وحيوية من الناحية الاستراتيجية.

  من جهتها, فإن الحكومة المضعضعة في دمشق قد تجدها بمثابة فرصة مواتية للقبول بصفقة تعتبر كطريق العودة من الهاوية, حتى لو كان هذا  على الأرجح يعني خروج الرئيس الأسد في المستقبل.. اذا رفقضها الرئيس الأسد, فقد تمنح تلك الحركة الغير مسؤولة أفضل أمل على الاطلاق لتقسيم حكومته والتحكم في الانهيار الناتج عن ذلك.

من المسلّم به, أن احتمالات التنظيم الناجح لتلك الصفقة هي الأقل وعداً بكثير عماً كانت عليه في وقت مبكر من العام الماضي.

ولكن ادراك أن العناصر المتشددة في دمشق , بيروت و طهران قد تطلق العان لدمار اقليمي كبير, يدفع لمناقشة طال انتظارها حول طرح صفقة شاملة وذات مصداقية.

المفاوضات الان, أفضل من الحرب لاحقاً, يمكن أن تؤدي الى نتيجة أفضل بكثير بالنسبة لجميع الاطراف - حتى لو كان ذلك يعني أن تطلع السوريين للحرية يمكن أن يتم بعد فترة لاحقة طويلة اكثر مما يتصور الجميع. 


No comments:

Post a Comment

Note: Only a member of this blog may post a comment.